الأربعاء، 6 مايو 2020

شاي العشاء - قصة قصيرة

شاي العشاء


Credits: Sarah Hussein - Expressionism Art on Paper, the farmer

استمرّت عصاه فى تشتيت الرمال عندما داخلته اختلاجة لحظية داعبت ركبتيه وصدره. بسط ساقيه وهو ينظر نحو الخلاء، حيثُ أحالت قسوة الشمس الرؤية الساكنة إلى رؤية مائية تمثّلت أمامه فى صورة راقصة، وربما اضطربت الرؤية بشكل أكثر عنفًا نتيجة لصداع رأسه الصيفي وارتفاع حرارة الجو، ونتيجة لاهتياج صورة (ناجية) وجسدها البضّ المنحشر فى أحد الجلابيب الوردية غير الفضفاضة، أو كما سُميت خارج الأوراق الحكومية -(نجية).. بحذف المد-. أسند ظهره على الحائط الإسمنتي بعد أن أغمض عينيه محاولًا تنقيح الصورة. تراءت له فى ثوبها المزهّر وهى تقطف أعواد الجرجير، فأقحم نفسه فى المشهد وهو يدنو منها، تقترب شفتاه الغليظتان من عنقها الذى تفوح منه رائحة الصابون تارة والطين تارة أخرى، ثم تراءت له مسيطرةً على الوضع، بسطوتها وهي فوقه تارة، وبغنجها وهي تحته تارة أخرى. بدّدت الحرارة كل الصور دفعة واحدة. تلاشت رائحة الصابون من أنفه بينما مكثت رائحة الطين التى اختلطت بالرمال الساخنة وفوران التبغ فى صدره. هرش ساقه ودلّك عضوه عدة مرات قبل أن يلتقط سكّينا من على الطاولة المجاورة وينطلق نحو الحظيرة حيث ارتمى ظلّه العملاق على قطيع الحملان التي اهتاجت حركتها وتعثّرت فيما بينها. انطلق القطيع إلي الخارج بينما تبعهم هو بخطوات متباطأة حتى سكنت حركتهم على مقربة من الحظيرة، يشبكون أسنانهم ويضغطون بها على كلأ الأرض بميكانيكية زاهدة. مالَ على حَمَلٍ يبتعد عنهم بمترين أو ثلاثة. ربت على ظهره عدة مرات والحَمَل منهمكٌ فى التهام الكلأ. جثا على ركبتيه قبل أن يطعمه بعض الكلأ من كفه، سحبه بعيدًا عن القطيع ثم ضغط بيسراه على ظهره وهو يحاول إحكام قبضة يمناه على السكين، سحب النصل بخفة على عنق الحَمَل، خرّ الحمل وتناثرت خطوط الدماء الثخين لكنه انساق بدافع جنوني نحو طعْنِه. طَعَنَه طعنة بطيئة راشقًا نصل السكين بتمهّلٍ وإتقانٍ في أمعائه مما أثار عضوه مرة أخرى وجذب إلى أنفه رائحة الصابون والثوب المزهّر وسطوةً مفتولةً ويد (نجية) وهي تمسّ ذراعه. تمنّى لو ينضّم الظهر إلى العصر، ويمسك العصر بذيل المغرب ليسحبوه نحو العشاء.. يلج البيت، يشرب شاي الليل ويلتهم زاد العشاء وبعدها يلتهم (نجية).. لا شيء من هذا بعيدٌ بيد أنه استثقل الظهيرة للمرة الأولى منذ فترة طويلة، لكن الدقائق قد مرّت بأي حال. علقت بعض بقايا الشاي الصلدة على شفتيه لكن الأمور على ما يُرام، فهو يغفر لشاي العشاء أي شيء. سحبَ لقمةً تلو أخرى حتى أجهز على ثلاثة أرغفة وصحنين من الملوخية والأرز المفلفل، وبعدها سكب في جوفه كوبًا من الشاي الثقيل على دفعتين. هذا لا يصح، فالسكبُ ليس من طقوس الشاي الثقيل، لكنه على عجلة من أمره، حيث أنها ألصقت جسدها بذلك الثوب المزهّر مرة أخرى. انقضّ عليها كالنمر بعد أن سبقته إلى الغرفة كالحرباء، ومن هنا إلى هناك صرخ المؤذن صرخة مدوية أوقفت كل شيء. انقلب على ظهره كالصرصور فور فرقعة الصوت المدوية وحملق في السقف عدة لحظات حتى خمدت النيران من تلقاء نفسها دون الوصول إلى الحد الفاصل لإطفائها. كان ذلك سخيفًا، وسببًا واضحًا لإشعاله سيجارة غاضبة دون النظر إليها، حيث أن صوت التكبير كان زفرة بدءٍ لمعضلة لم يكن يعيرها أي انتباه. انشقاق العشاء عن صوت الواجب منحَ اللحظة إخمادًا مفاجئًا، ونبهه إلى وجوب الاغتسال وقطع الصلة بين البئر والنبّوت، مما يدفعه كالعادة إلى الميل إلى الشعور بالذنب، حيث يرمقها بغضب ويوقد ضوء الغرفة  ويطفئ نار العشاء.
سحب نفسه من تحت المياه إلى الصلاة، حيث أنه لم يلحق بهم في المسجد، ولم يلحق بنفسه في البيت؛ لذلك همّ بالرحيل إلى السرير لينقشعَ الليل سريعًا كاشفًا الغطاء عن ظُهرٍ آخر والمزيد من أكواب الشاي الثقيل، لكنه اليوم قد قرّر أن يكون شاي العصر مع الشيخ (عارف) الذي يجب أن يوجد حلا لمعضلته في أسرع وقتٍ ممكنٍ.
- فتنة يا (صابر)، وإياك والفتنة، كي لا تنامَ وشيطانك في ذات السرير. لِمَ لا تزورنا في الحضرة؟ ألا تريد الاغتسال؟
قالها الشيخ (عارف) وابتسم ابتسامة خافتة، بينما سطحت القناديل الخضراء في رأس (صابر) كقشّةٍ أخيرة تبتعد به عن كل هذه الضوضاء التي تصدر من رأسه ومن بين فخذيه؛ لذلك خمد صدره بسهم الضوء الأخضر عندما ولج حلقة الذكر، وعندما اصطدمت أذنيه للمرة الأولى بتلافيف الطَرْق التي تحوم حول الأوراد في الهواء، تضرب وترًا شديد الحساسية، تخمد النيران، وتؤجّج سطوة الصمت في كل أجزاء الجسد المخدّر. (نجية) لم تتجلَّ في هذه اللحظة ولم يذكرها إلا بعد انتهاء الحضرة، لكنه لن ينكر أن كل شيء قد خمد، فعاد إلى المنزل يلتهم لقمة العشاء على مهل، يرتشف شاي العشاء بهدوء، يُبعد عنه (نجية) التي اتخذت وضع الحرباء، ويهمّ إلى صلاة العشاء، لكنها لا تتركه حتى بعد نومها، يندلع في رأسه الثوب المزهّر مرة أخرى، فلا ينال صلاة العشاء ولا ينالها. يشدُّ وثاق حبلين في آنٍ واحد فيتمزق هو فيما بينهما، فيهدم صلاة العشاء فور انتهاءها، ويعود ليجدَ كل شيء قد خمد، والثوب المزهّر قد خلد إلى النوم، وينتابه شعور دفين بأنه قد خسر اللحظتين في لحظةٍ واحدةٍ.
يتآكل اليوم بين الحظيرة والحقل، بينما يؤنّب نفسه كلما ارتشف من الشاي الثقيل ما يملأ ما بين أسنانه ولسانه وكأنه يعاقب نفسه بتلك الحرارة المفرطة. تعالى صدى الضوضاء من بين فخذيه حتى انفرط زمام الأمور بعد إحكام قبضته عليه منذ ثلاثة أسابيع. انقضَّ نمرًا شرسًا على (نجية)، وانتظر صوت المؤذن كي يقطع حبل الوصال بينهما، لكنه كان مندهشًا مثلها عندما دبّت تلك السطوة في جسده فور انطلاق الصوت، وعندما شعر بأنه يقتحم نقطة أكثر عمقا في داخله وداخلها. انتابه شعور بالغرق لا يشبه ذلك الذي يحدّثه عنه الشيخ (عارف). شعر بالخزي، وأراد لو يمحو تلك اللحظة من أحداث اليوم، لكنه عندما طوّح ذراعها بعد الانتهاء شعر بسُخفٍ يدمّر كل شيء. قتل نملة تسير على ساقه استعدادًا لنهشها بينما حملق في خصر (نجية) في شيء من الارتباك وهي تغادر الغرفة إلى الحمّام. خمد كل شيء بالوصول للحدّ المنشود لكن صورًا تتقاتل خلف عينيه، والضوء الأخضر البرّاق لذلك التخلّي يمنح آذان العشاء رونقًا أكثر وطأة، ويمنح صدره الكثير من الأحمال، وسؤالا مفزعًا عن سبب انفجار الفجور في عروقه -على حد تعبيره- في تلك اللحظة تحديدًا.
- كما أخبرتك يا ولدي. انصر الخفيف على اللطيف.. انصر الخفيف على اللطيف..
حديثه واعترافه بكل شيء أمامه لم يفسح المجال المنشود أيضًا في صدره، لكنّ التطويح والدوار الخفيف أزاح عن رأسه القليل من الأشياء. مكث في المسجد عدة أيام، يتقاسم الجدران كسر الخبز ورائحة الأحذية والمِسك لكنه لم يرد أن يظلَّ هكذا، خاصةً بعد أن كان رأيُ الشيخ في مثل رأيه، ففتح صدره قليلا وخرج إلى المساحات المألوفة من الحقل والحظيرة والسرير، حيث كانت الضوضاء هادئة حدّ النوم، فلم ينتابه اشتعالٌ واحدٌ في أعضائه لحوالي أربعة أيام قرّر خلالها أن ينام قبل العشاء، وقبل شاي العشاء أيضًا، لكن الأمور لا تسير هكذا. عليه أن يظل مستيقظًا بالعصا والسوط، ينقضُّ على أي انقباضة شيطانية في ذلك الجسد النجس. لا ريب في كونه يتحايل على الوضع لكنه في النهاية توصّل إلى التوصيف السليم لحجة وجوب نومه بعد شاي العشاء، لا قبله، حيث يؤدي الفرض الغائب عنه لأربعة أيام، ويخمد النيران التي ترتعد أطرافه خوفًا من كونها قد خمدت إلى الأبد، لكن مخاوفه لم تكن في المحل الصحيح، حيث اهتاج كل شيء للمرة الأولى منذ فترة انقطاع فور بداية حقبة العشاء. انفلت زمام الأمور مرة أخرى وبقوة مفرطة تغور إلى نقطة أكثر عمقًا وتحمل معانٍ متعددة أراد أن يشرحها للشيخ.
- لا جدوى منك يا (صابر).
حدّث نفسه هذه المرة، وأخبرها أنها بلا جدوى، وأن عليه أن يطهّرها من كل هذا الدنس. الضوء الأخضر لا يُجدي، والحضرة تستحيل إلى عنق زجاجةٍ توشك أن تلفظه.. لا أن تبتلعه. لم يكن يدرك حدًّا فاصلا بين أي شيء وآخر في تلك اللحظة، فلم يجد سوى التطويح الذي لم يعد يفيد أيضًا. لا شيء الآن سوى ضوضاء الاهتياج، يصبو إلى قتل ما يضاد شعورًا عميقًا بالذنب.. يصبو إلى ذلك إلى أن اكتشف خلال لحظة تطويح أنه لا يجد ما يُضاد ذلك الشعور، حيث أدرك أنه وُلد ليشعرَ بالندم، بغضّ النظر عن (نجية) أو السرير أو صلاة العشاء أو حتى أكواب الشاي الثقيل. لا شيء هنا سوى الندم. ينفجر آذان العشاء في اليوم التالي، وينخرط في اختراق (نجية) بصورة أكثر فجاجةً فور اختراق الصوت لأذنيه، يجذبها إليه ويتحسّس السطوة للمرة الأولى منذ فترة بعيدة. يتمدّد الوجود من حوله ليُطمس كل شيء في داخله وكأنّ العالم قد نبت من داخل (نجية). مرّرت أناملها على وجهه بعد أن خمد كل شيء وأحضرت له القلّة وهي عارية بالرغم من أنه لم يخبرها أنه ظمآن. تخترق الأضواء الخضراء جدران الغرفة، فلا يميز حدًّا فاصلا بين تلك اللحظة بينهما وبين وجوده في الحضرة في اليوم التالي، حيث نبّهه الشيخ أنه لا يردّد الوِرد، وأنه لا يعير انتباهه المعتاد للأشياء. يتزمّر (صابر) ويخالجه شيء من الانزعاج وعدم الفهم. يعيد وضوءه ويردّد الذِكر في استسلام مخدّر، ثم تتجلّى بثوبها المزهّر، يخترق ضوء الغرفة الخافت الأوراد الطائرة في الهواء. تتداخل الحناجر بينما تتجلّى هي وسط الجميع. يتحسّس طرف ثوبها أطراف الدفوف، ويتعالى الصخب. يهتاج رأسه، وتتعالى الأصوات مرة أخرى من بين فخذيه، يتردّد صدى الصوت بين جدران رأسه وعينيها حتى يسقط سقطة نهائية في هوة عمقها لا تميزه عيناه. يسقط كأنه سقط إلى الأبد. يساعده من في الحضرة على النهوض. تهجره (نجية) و"تطفش" من البلد دون سببٍ معلومٍ. هو يعلم السبب؛ لذلك يعود إلى الحضرة مراتٍ أُخر، خاصة بعد أن ترك العمل لأنه لم يعد يقوى على ذبح الحملان. لم يعد يمتلك تلك النشوة الجامحة أو حتى قدرًا من السيطرة على الأمور. يقف على قدميه ويهتز، يرتجف بجوار الشيخ (عارف) وبقيتهم ينظرون إلى المأفون الذي تركته زوجته وهربت. يتبدّد كل شيء في لحظة خاطفة، يطير به الزمن بين أكواب الشاي وكأنه قد ألصق أخيرًا الظهر في العشاء فينهار كل شيء فوق رأسه، ويقرّر أن يوقف كل هذه الضوضاء بأكوابٍ من الشاي. يختلي إلى نفسه على السرير الذي هجرته (نجية) ليتناولَ كوبًا من الشاي الثقيل مداهمًا عضوه بكميةٍ لا بأس بها من زيت الكافور الذي يقتل الدماء في العروق، ثم يعود إلى الحضرة بدمٍ باردٍ.
مايو 2017
(نُشرت  ضمن مجموعة قصصية بعنوان "معضلة السيّدة غ" بدار اكتب للنشر والتوزيع)

الاثنين، 4 مايو 2020

أربع قصائد مهدومة


أربع قصائد مهدومة




"سيرة ذاتية"

Credits: Mark Kostabi


صباح الخير..


تعلمين أنني لستُ ماهرًا في مثل هذه الأشياء


فعندما تكونين الشمس


لا يسعني إلّا أن أكون نافذة البيت


وعندما يركل الأطفال الكرة في الشوارع الضيّقة


لا أستطيع إلّا أن أكون مرماهم الوهمي


أسير بحرص على الأرصفة


وأقفز بدونه على حواف الشرفة


أصبح حقيقيًّا في الأحلام


بينما أصير شبحًا فور استيقاظي


أتجمّد تحت الشمس، ويذيبني المطر


لستُ ماهرًا في المراهنة أو عزف البيانو أو سباقات الخيل


ولا أجد سببًا لذكر ذلك


تعلمين...


أنني لا أفتح عينيّ إلّا بعد أن أضع فوقهما الغطاء


وأنني لا أركض إلّا داخل المواصلات العامة


ولا أمزّق الأوراق بأسباب واضحة


لكنني، ولحظّي السعيد


أستطيع أن أكون بابًا، سريرًا، طاولة لأكواب الشاي


أو نافذة -رغم صغرها- تتسع للشمس






"خارج السياق"

سعد يكن: مقهى والحظر

يبصقنا الوقت خارج السياق فننظر للسماء


نتحسّس وهمَ الحشائش فوق البلاط


وهمَ الحفل في الغرفة الخالية


وهمَ الشمس في الشرفة التي لا تتسع للنور


ربما نكتب نشيدًا للموت


أو نصنع فيلمًا عن الحياة


ربما نرتدي الأزياء الجديدة لنجلس فوق طاولة فارغة


ندندن خلف الراديو كبديل تربويّ للبكاء


نصفّر في دورة المياه.. كبديل غامض للاستغاثة


لا شيء يتنفّس خارج سياق الوقت


ربما نفصل بين نقطتين بنقطة أخرى


أو نتوقّف فجأة عن الحملقة في الأشياء


لا إجابات هنا


في القبلة أو في صوت موتور المياه


لا أحد يتمشّى خارج السياق


في البيت.. لا أحد يعود إلى البيت







"الإنسان الجديد"
Credits: Safronow, Wlad (1965- ) - 2008 Chess Game 


دورة صناعة الإنسان الجديد


الذي يؤمن بالإنسان والحياة والكاميرا


والضوء الأحمر المنعكس على زجاج المتاجر


الإنسان الجديد.. الذي يؤمن بكلّ شيء


الذي يرمق الجدران بنظرة المرآة


الذي يشتري الشارع والبيت وبشاعة التلفاز


الإنسان الجديد الذي يدفع الفواتير بهدوء


ولا يربط الحذاء إلّا في منتصف الطريق


يجد دائمًا ما يدفعه إلى إيمانه بالإنسان والفواتير


ذلك الإنسان الذي يختار كلّ شيء


والذي يفخر بكلّ شيء


الإنسان الجديد الذي لا يفقد إيمانه أبدًا


لا بد له أن يشعر بالعار


لا بد له أن يفقد ذلك الإيمان


لا بد له ألّا يؤمن بالإنسان








"الفراغ"

Credits: Mark Kostabi -  Cobranetics (1990)
ثمّة حذاءٌ مبتلٌ خلف الباب


حذاءٌ مبتلٌ يسعلُ ويستنجدُ طالبًا المساعدة


من الجهةِ الأخرى ثمّة قميصٌ يملؤه الهواء


يسمع سعالًا وطرقًا ويرتجف


الخوف ينزلق بينهما على العتبات


الحذاء كان فارغًا بلا قدمين أو كتلة إسفنج


والقميص كان فارغًا أيضًا


بدون مانيكان أو ألياف عضلية


فكان الفراغ يطرق بابًا على نفسه


وذلك بالطبع كان بلا جدوى

الجمعة، 17 أبريل 2020

حقيبة اليد - قصة قصيرة




حقيبة اليد



حملتْ السيّدة حقيبتها نحو الطاولة رقم 3 وجلستْ برقّة كادتْ تذيب المقعد. كانت كلّ الأشياء نظيفة، من زوايا حذائها حتى أظافر يديها العشرة. لكن النادل الجديد عندما اقترب وشعر بشيء ما يتحرّك داخل حقيبة يدها فوق الطاولة لم ينبث بكلمة. ظلّ محملقًا في عينيها الواسعتين دون أن ينطق، بينما أصدرتْ هي فرمانًا غير مباشرٍ بعدم الحديث عمّا في داخل الحقيبة، فقط طلبتْ كوبًا من عصير البرتقال الخالي من التحلية وقطعة من كعك الجبن. لم يرَ نظرةً أكثر حزمًا من قبل، ولم يتردّد في مغادرة الطاولة حيث ترك رأسه. لم تغادر أفكاره الطاولة إلى درجة أنه نسي طلبها لعدّة لحظات. تأمّل نوتة الطلبات، تأمّل طلبها ورقم الطاولة. كانت الأشياء عصيّة الفهم، والسيّدة كانت نموذجًا مفهومًا لأنثى في أوائل الثلاثين، لا تترك ملمحًا من تفاصيل الجمال إلا وتقتنيه. لكن ذلك الذي يتحرّك داخل حقيبتها «ليس بحيوانٍ أليفٍ».. هكذا حدّث نفسه. لم يكن يعني من الجملة سوى أنه يرفض أن تكون امرأة تافهة، دون أن يعي سببًا لذلك، فما بداخل حقيبتها يجب أن يكون قلبًا حيًّا، أو طائرًا نادرًا سرقته من أحد المتاجر، أو طفلًا رضيعًا قرّرتْ أن تقدّمه قربانًا لبعض الطقوس السوداء. لم يتضح شيء بعينه في داخل رأسه، لكنه أثناء النداءات المتكرّرة من زملائه كان ينصت إلى تلك الهواجس التي تدعم جميعها فكرة أنها امرأة شريرة، أو امرأة غير تافهة على وجه التحديد، لأن ما في حقيبتها إن كان كلبًا أو قطّة سيكون محبطًا بالنسبة لجمالها. تصبّب عرقًا أمام حامل العصير والكعك. تسحّب نحوها وهي تختلس النظر إليه بارتباك، وتوسّل لها بعينيه أن يكون ما في حقيبتها شيئًا فريدًا. «أنا أعتذر، ولكن هل تعلمين أن اصطحاب الحيوانات الأليفة ممنوع هنا؟». رفعتْ عينيها نحوه بحدّة. تمنّى لو تسأله عمّا يعنيه وتخرج قلبًا من حقيبتها، أو رجلًا مجنزرًا مثلًا. لم يعرف بما يفكّر، ولماذا يفكّر بهذه الطريقة، لكنه بعد أن وضع أمامها الطلب أدرك أنها لم تجب، وما زالت تحملق فيه بحدّة. «هل هو فأر؟» خرجت الجملة منه دون أن يتدارك مدى سخافتها. احمرّ وجهها وفركتْ كفّيها بغضب، وقبل أن تنطق طار من أمامها. لعن نفسه، وفقد زبونين لنادل آخر أثناء شروده في حقيقة الأمر. رأى أن ذلك الموقف يجب حلّه على الفور. سحب نفسه نحوها باندفاع وطلب منها أن تُخرِج ما في داخل الحقيبة. كانت أكثر جمالًا من المرّة السابقة، وغير غاضبة كسابق عهده بها منذ أن دخلت المطعم. نفتْ وجود أيّ شيء في الحقيبة. أخبرها مرّة أخرى بأن الحيوانات الأليفة غير مصرّح بها هناك، لكنه قالها هذه المرّة وقلبه يخفق. شعر بأنها تحارب من أجل إخفاء جريمتها. كان شعورًا لذيذًا كاد يقترب من السرور. انخفضتْ حدّة صوته، طلب منها أن تخبره، وعندما تمسّكتْ بالإنكار مرّة أخرى بدأتْ نبرة صوته تستحيل إلى التوسّل غير الواضح كي تخبره عمّا يوجد بداخل الحقيبة. كان إنكارها لجريمتها يجعلها أكثر شرًّا، أقلّ تفاهة، أكثر تعقيدًا، لكن من ناحية الجمال فقد كانت جميلة على أيّ حال. إنكارها دغدغه إن صحّ التعبير، تسبّب له في بعض المداعبة. مال نحوها بجرأة جديدة وأقسم بأنه لن يخبر أحدًا، وكان صادقًا جدًّا. لكنها بحركة غير محسوبة قلبتْ كلّ الاحتمالات رأسًا على عقب. صرختْ بكلّ طاقتها، طالبة النجدة من بقيّة الموظّفين بغضب. اتهمته بالتعدّي عليها ومضايقتها بطريقة غير لائقة، مستخدمة الكثير من الألفاظ المعقّدة، التي سمحتْ لمدير المطعم بأن يخبره بفصله على الفور دون انتظار، وبأمرٍ جهورٍ أمام كلّ من في المكان. لكنه عندما سحب قميص المكان من على جسده أمام مرآة الحمّام، وجد أن فصله عن العمل كان أقلّ بكثير من الموقف، وتحمّل وطأة الموقف بداخله في سبيل أن المرأة الشريرة تسبّبتْ في ذلك لأنها تنتظره في الخارج لتخبره بحقيقة حقيبتها الحيّة، أو تصطحبه إلى البيت، أو تحبسه هو الآخر في حقيبتها. لم يودّع أحدًا، فقط هرول إلى خارج المطعم باحثًا عنها، ومن المفاجئ أنه وجدها لم تبتعد عن مدخل المطعم إلّا بحوالي عشرة مترات، كانت تمسح وجهها، وتُخرج جروًا صغيرًا من حقيبة يدها وتقبّله.
أكتوبر 2019

(ضمن مجموعة قصصية بعنوان "كتاب توافه" قيد النشر)

Goodreads صفحتنا على

Facebook صفحتنا على

Instagram تابعنا على

الثلاثاء، 14 أبريل 2020

بِرجولة العائلة - قصة قصيرة





بِرجولة العائلة



في اليوم الأوّل من الرحلة، شعر حازم بأن العائلة تهبط فوق الرمال كمن هبط من السماء. وبالرغم من إحكام كفّ أبيه على كفّه، فإنه لم يكن متحمّسًا للمرح مع أحدهم. تحمّس فقط لحرارة الرمال والشمس، وتلك الانعكاسات الضوئية المدوّية التي يطلقها البحر في الأعين. كانت كلّ الأشياء ملوّنة، من أزياء البحر من حوله إلى أزياء أفراد العائلة، والسبب الرئيسي في عدم تحمّسه للمرح معهم هو سنّه. بما أن حازم هو الأصغر بين أخ وأخت، وولد وبنت كأبناء للعمّة، فقد أدرك بشكلٍ غير مباشر أنه طفل بينهم. الحق يقال أنه كان الأكثر تدليلًا بين العائلة في أوقات، لكنه أيضًا كان في أوقات أُخر الأقل أهمية بينهم، وكان ذلك منطقيًّا بقدر ما كان محزنًا، وسن المراهقة الذي يحوم حوله الفتيان الأربعة من حوله جعل منهم كبارًا أكثر من اللازم بالنسبة إليه، ربما يعود ذلك إلى أن المراهقين دائمًا ما يكونون في أعين الأطفال كبارًا أكثر من الكبار نفسهم. لكنه عندما خلط قدمه بالرمال وتعثّر، عرف أنه لن يلتفت لمثل هذه التفاهات. سينتزع اللعب بالتأكيد ولن يوفّر جهدًا في المرح لو هدم الشاطئ كلّه. لقد كان هادئًا، ماهرًا في اتخاذ تلك القرارات التي تنم عن وحدة لا يدركها. تمسّك بكفّ أبيه عندما خفّتْ قبضته. بدأ الفتيان الأربعة في الهرب على الرمال. زعق فيهم أبوه واقترب نحو رجل أسمر البشرة ذي نظرة تشبه نظرة النسور ويتحدّث بلهجة ليبيّة غريبة للغاية. تحدّثا قليلًا ثم علا صوت الرجل: «لا يوجد أرخص صدّقني. الباراجولّة الكبيرة بمئتي جنيهٍ، والأصغر بمئة جنيهٍ». أطرق الأب وتشاور مع زوج عمّته. قرّرا في النهاية الاستقرار في الحيّز الأصغر. «حسنًا، سنأخذ البِرجولة ذات المئة». انطلق الجميع بإشارة الأب وزوج العمّة نحو أقرب بؤرة، أمّا حازم فقد شغله شيء آخر. ما هو ذلك الاسم العجيب؟ كيف للبشر أن يطلقوا ذلك الاسم على شيء؟ من أين أتى؟ أو كيف تم اشتقاقه بمعنىً أكثر نضجًا؟ جالت كلّ الأسئلة في خاطره بغرض تسلية نفسه في بادئ الأمر، عندما انشغلتْ أمّه مع عمّته بإخراج الأغراض من الحقائب، وانشغل المراهقون الأربعة بالنكات وتغيير الملابس. لكن الأمور خرجت عن السيطرة في رأسه الصغير بعد أنا دخل أبوه وزوج عمّته البِرجولة/الباراجولّة. تفحّص السقف المعرّش بالخوص والأعمدة الخشبية النحيفة التي تبدو من مشهدها أنها لن تتحمّل أكثر من ذلك. دنت موجة بعيدة من البحر أمامهم، واهتزتْ الجهات الثلاثة لذلك المكعّب المفتوح الأشبه بالعشّ المنتظم. عندها بدأ كلّ شيء في التلاحق فوق رأسه. «بابا.. اسمها بِرجولة أم باراجولّة؟». شرد الأب للحظتين ثم ضحك الجميع. لم يفهم حازم سببًا لذلك، بينما لاحظ أبوه ارتباكه فربّت على كتفه.
- «تبدو أنّها بلهجة أهل البلد، لكننا نعرفها (بِرجولة)». ربما قالتها أمّه بدافع رفع الحرج الذي بدا على وجهه. أومأ الأب بالموافقة، لكنه لم يشعر بحقيقة رغبتهما في الإجابة.
- «ومن أين أتت (بِرجولة)؟». سأل حازم لكن أمّه لم تكمل. نظرتْ في عينيه بملل. ربما ظنّتْ أنه يحاول استفزازإها لكن الحقيقة أنه لم يقصد ذلك. أخرجتْ نصف رغيف (حواوشي) ومنحته إيّاه كأنها تقول: توقّف عن السخافة وكُل. «إذًا من أين أتت كلمة (حواوشي)؟». قالها أبوه فانفجروا جميعًا في الضحك. رفع حازم حاجبيه بغضب وتناول الرغيف في صمت. قرّر ألّا يتحدّث مع أبيه نظرًا لتلك الإهانة. لكنه في خضم القفز في البحر والعوم على الرمال نسي قراره. هرول بجوار الجميع، ولعبوا معه لدقائق لا بأس بها بالكرة البلاستيكية الحمراء. هرول بجوار الأب، قذف عليه زوج عمّته بعض الماء، حملته ابنة عمّه وقذفتْ به لأخيه الذي قذف به لأخته. مرّ الوقت لطيفًا، وكتم تساؤلًا حقيقيًا عن أصل كلمة (حواوشي) أو ربما نسيه. لكنه استعاد حالة من الهدوء وخفوت الضحك عندما بدأ الجمع في التشتّت بعيدًا عن البحر. عادوا إلى البِرجولة/الباراجولّة بعد حوالي ثلاث ساعات. تناولوا بعض الأرغفة وبدأتْ أمّه وعمّته في الحديث الجانبي المعتاد لنساء العائلة. شعر بالملل، وتسلّلتْ إليه الخيبة عندما انتفض المراهقين الأربعة لتأجير (البيتش باجي) باتفاق صامت على تجاهله. بدا أن الجميع ينخرط في أشياء هو خارجها. صمت لعدّة دقائق، وعندما انخرط أبوه وزوج العمّة في الحديث عن الجرائد ولعب الطاولة، تسحّب إلى الخلف بعدّة خطوات، ثم ابتعد قليلًا عن مدخل البِرجولة/الباراجولّة ونظر إلى البحر. تأمّل لبعض الوقت عندما بدأ الجميع في العودة إلى أماكنهم –الكبيرة والصغيرة- لتناول الطعام. عندما نظر خلفه وجد أنه قد انحرف ببضع خطوات عن بِرجولة العائلة دون أن يدري، أو ربما تكون البِرجولة قد تحرّكتْ بعيدًا عنه خلسةً. وللحظة وجد نفسه يبتعد عنها كما فعلتْ، وكلّما انسحب خطوتين، انسحبت هي مثلهما بعيدًا عنه، وعندما يقترب تقترب. أعجبته اللعبة، ولم يلتفتْ أيّ منهم إلى أنه على الشاطئ وحده. عزم في تلك اللحظة على التجوّل على امتداد الشاطئ بدون أي دوافع واضحة. بدأ في عدّ البِرجولات حتى لا يضيع عنهم.. واحد، رجل امرأة في سن أبويه، بابنين في سن إخوته.. اثنان، رجل ورزوجته وحدهما يتناولان الشاي.. ثلاثة، امرأة مسنّة والكثير من الأفراد لكنها بِرجولة/باراجولّة كبيرة الحجم بمئتي جنيه.. أربعة، رجل يقرأ الجريدة.. خمسة فارغة.. أما السادسة فقد كانت البِرجولة الأغرب بين كلّ ذلك. توقّف أمامها للحظات بعد أن سقط قلبه في قدميه واقترب بعد أن تشجّع. كانت مجرّد سلحفاة رملية، لكن كِبر حجمها هو ما صدمه بتلك الرهبة المفاجأة. دنا منها، وبدا من ملامحها القريبة أنها سلحفاة طيّبة، لكنها تسدّ مدخل البِرجولة تقريبًا. لمح خلفها أغراض تنم عن أنها محجوزة، لكنها كانت فارغة. بدأ في مد يده نحوها، وقبل أن يمسّ سطحها الذي كاد يصل إلى طوله، حذّره من خلفه صوت رجولي بمرح: «إنّها تعضّ». انتفض حازم لكنه تدارك الموقف بثبات وابتسم له. كان رجلًا ثلاثينيًّا، وزوجته في مثل سنّه تقريبًا. حملق فيهما دون أن ينطق، لكنه أيضًا لم يستطع الرحيل. بدأا في تجفيف جسميهما فأصابه الحرج، لكن أثناء الإطاحة بالمنشفة فوق جسده، أكمل الرجل: «ما رأيك؟ صنعتها كي تمنع الناس من دخول البِرجولة حين أكون في البحر». قالها وابتسم. لقد كان مرحًا وحازم أحبّه. أصابه بعض الحرج وهو يقف عاري النصف العلوي أمام زوجة الرجل، لكنها منحته كوب عصير فجأة بابتسامة تشبه ابتسامة زوجها. خاف قليلًا لكن الرجل شجّعه عندما سأله عن عائلته. «في البِاراجولّة المجاورة». بالرغم من أنها المرّة الأولى التي ينطق فيها، لكنه أشعل فتيل النقاش. بدت على الرجل ملامح الاستغراب: «هل أنتم من البلد هنا؟». أومأ بالنفي، والرجل ابتسم. أدرك حازم أن اللفظة في ذاتها تحمل الكثير من الإشارات دون الإيماء المباشر لها. أراد أن يسأل الرجل عن رأيه في سبب التسمية ومثل هذه الأمور لكنه ارتبك. ظلّا صامتين، وبدا عليهما الارتباك الطفيف بسبب ذلك الطفل الغريب الذي يشرب العصير في بِرجولتهما ولا يعرفان أهله. ربما ظنّاه تائهًا أو شيء من ذلك القبيل. فتّش في رأسه عن مكان بِرجولة العائلة كي يتأكّد أنه لم يضع، ولأنه أيضًا يشعر باطمئنان تام بين الشخصين الغريبين. لكنه احتار في مسألة ما إن كان قد عدّ البِرجولات بداية من بِرجولة العائلة، أم من البِرجولة التي تليها. استسلم لأنّه لا يتذكِّر، وأدرك أنه أثار حيرة مريبة في نفسي الرجل وزوجته. تبادلا النظرات ثم فاتحه الرجل: «هل أنت جائع؟ أين ماما؟».
- «شكرًا، لقد أكلت الحواوشي. أمّي بعد ست بِرجولات من هنا، أو سبعة.. أو خمسة.. لا أعرف».
أجاب حازم لكنه نظر في عيني الرجل المرتبك بعمق. بدأ القلق يظهر على وجهيهما، وأدرك حازم أنه دون عمدٍ أخبرهما بأنه تائه. وقبل أن يعرض عليه الرجل أن يعيده إلى أسرته، انتفض وترك كوب العصير. شكرهما وهرول إلى الخارج. لم يسأل عن معنى كلمة بِرجولة، أو من أين أتت كلمة حواوشي. نظر حوله فشعر بأن الشاطئ قد تبدّل، وأن البِرجولات تشبه بعضها البعض. كاد يصرخ، لكنه وجد أحد عاملي الشاطئ ذوي اللهجة الليبية فاستوقفه. رتّب الكلمات في رأسه ثم قرّر أن يسأله عن (بارارجولّة) العائلة، لا (بِرجولة) العائلة. لكنه بعد ذلك لم يجد أي معلومات أخرى. لم يستطع إخبار الرجل بعملياته الحسابية الفاشلة. لم يجد على لسانه سوى السؤال عن باراجولّة بابا وماما، وبالطبع لم يكن ذلك كافيًا. أحسّ بأنه تاه إلى الأبد، وبعد عدة خطوات فشل أيضًا في إيجاد بِرجولة الرجل صانع السلحفاة الرملية وزوجته. عندها بدأ في البكاء. وفي لحظة من الضياع الأبدي، والشعور الأوّل بما يفوق الموت أو الاختناق أو حرج تبليل السروال، رآهم من بعيد: أباه وزوج العمّة وأخوه وابن عمّته.. هرول جهتهم عندما أشاروا نحوه. تقدّم أبوه مادًّا يده استعدادًا للبطش به. «أين كنت يا ابن الكلب؟». تسمّر حازم كأنّه يحلم، وانقضّ أبوه ماسكًا بكتفه حتى كاد يخلعه. لكن حازم على غير المتوقّع، وضع كفّيه على وجهه وأجهش في البكاء.
لم يشارك في الدورة الثانية للعوم. ربتتْ أمّه على كتفه ولامته قليلًا وعانقته. عاد أبوه تدريجيًّا إلى حالة الهدوء، نزل البحر مع أمّه وبلّلا ملابسهما ثم خرجا، بينما ظلّ حازم متجهّمًا. «جائع؟» سأله أبوه في محاولة للمصالحة لكن حازم أومأ بالنفي. «تلعب بالرمال؟». ابتسم نصف ابتسامة فكتم حازم ابتسامته. جرّه أبوه إلى كومة الرمال أمام بِرجولة العائلة. بدأ في تكويم كرتين، كرة كبيرة، وبها تلتصق كرة صغيرة. أدرك حازم في منتصف التصميم أن أباه يصنع سلحفاة كالتي صنعها الرجل ولكن أصغر، وفي النهاية أدرك أنها أكثر تشوّهًا وقبحًا.
- «بابا.. لماذا نسمّي (الحواوشي) بذلك الاسم؟».
- «لأن أوّل من أكله أطلق عليه (حواوشي)».

أجاب الأب بابتسامة باردة تبرز سخريته، لكن حازم أبى ألّا يأخذ الإجابة على محمل الجد. حلّل الأمر في رأسه كأن الأشياء تسمّى من المرّة الأولى، وأن مكعّب الخوص يتغيّر اسمه بين (بِرجولة) و(باراجولّة) بمن يجلسون بداخله، وربما يعرف في اليوم التالي سببًا لاشتقاق الكلمة من الأساس. «ما رأيك؟» أخرجه أبوه بالسؤال من شروده مشيرًا إلى السلحفاة المشوّهة بعد أن انتهى منها، فأجاب حازم كاذبًا للمرّة الأولى: «رائعة».


أبريل 2020



(ضمن مجموعة قصصية باسم "كتاب التوافه" قيد النشر)

Goodreads صفحتنا على

Facebook صفحتنا على

Instagram تابعنا على

الفول والحِبر - قصة قصيرة

الفول والحِبر





عندما كانت للكتب رائحة الحبر الأسود كان للفول مذاقًا آخر غير الذي نألفه الآن. لن أجزم بأن تحليلي للموقف كان من منطلقٍ فضوليٍ ليس إلا، لكننا يجب هنا أن ننطرق إلى سببٍ خالصٍ وواضحٍ يدفع (عم عبده) إلى تغليف أرغفة الفول في أوراق الكتب والجرائد. لم يكن الأمر بتلك الأهمية حتى نشبتْ معركة السوق، والتي راح ضحيتها عم عبده وعربته الخشبية. يُقال أنه قُتل بضربة جنزيرٍ على رأسه، بينما يؤكد آخرون أنه قد سُجِن، وفي موضعٍ آخر من يجزم بأنه قد هرب ونجا بنفسه وولديه. لا شيء مؤكدٌ هناك في ساحة النساء العجائز والألسنة الحائرة بين الأخبار، لكننا حين نفحص الصورة عن قرب قبل نشوب تلك المعركة بفترة وجيزة نجد رجلا شديد الهدوء، يلفُّ رأسه بكوفيةٍ رماديةٍ أو خضراءَ، يقلّبُ يديه بين اصطكاك الأطباق المعدنية الصغيرة والأرغفة الساخنة مع أول ضربة ابتداء لمنتصف الليل، ويتراوح معظم المارة حول العربة الخشبية ذات العجلتين والذراعين، حيثُ يكون كل شيء هادئًا، يشوبه بعض الهمسات والضحكات السريعة ثم آذان الفجر، وتدور العجلة. يلقف الأرغفة في يده ثم يرصُّ كلٍ منها بحرصٍ سريعٍ قبل أن يلفهّا مرتين في غلافٍ من ورقتين. كنت أتوق إلى لعابٍ ينسلّ فوق رائحة الفول وحرارته، لكنني أيضًا كنت أتوق إلى معرفة ما قد تحمله الورقة التالية حول الأرغفة. ذات مرة وجدتها ورقة من أحد إصدارات "سيرواي" في الفيزياء الكلاسيكية، ووجدت أخرى من أحد كتب تاريخ الفلسفة الغربية، وأخرى من كتابٍ في الفقه، والكثير من الكتب التي لا أذكرها الآن، وتمنيت أن أحظى بمقابلة هؤلاء الرجال الذي يجلبون الورق إلى عم عبده. تمنيت لو أسأل أحدهم كيف يمنح تلك الكتب بهذه السلاسة إلى بائع الفول كي يأكلَ عليها مارٌ من هنا أو من هناك. وددتُ لو أستطيع أن أسأله، لكنه لم يمنحني فرصة للتساؤل عندما منحني رغيفين في أحد أوراق كتابٍ يخصني. لن أنكر أني شعرت بإحراجٍ شديد عندما وجدت ورقة من أحد كتبي، وعليها نقشٌ مطابقٌ لطريقة كتابتي، علاوةً على أنني أذكر كتابتي لتلك الملاحظة تحديدًا. طِرت إلى عم عبده في لحظتها، فتحت الورقة أمامه وسألته عن كيفية وصول ذلك الكتاب إليه، وقبل أن يجيب سحبتُ كومة الأوراق من أمامه بعنف بيد أنني لم أجد بينها أي ورقة أخرى من نفس الكتاب. صرخ في وجهي واتهمني بالجنون بينما فضّ بعض الواقفين ذلك الشجار. تركتُ ياقة قميصه وسحبت كومة الأوراق بسرعة وهربت إلى المنزل، بينما ضرب الجميع كفًّا على كفٍّ، حتى عم عبده نفسه الذي بدا عليه الاندهاش.
لم أجد في الكومة ما يفيد كما توقّعتُ لكنني رافقتُ ورقتي إلى المكتبة، والتي بالطبع لم أجد لها كتابها. لم أقلع عن أكل فول عم عبده -كما توقّعتُ أيضًا- أدركت أنه، رغم إهانته لأوراقي، قد أمسكني من معدتي، ولم أعرف سببًا لنشوب المعركة غير ذلك الورق الذي تتطاير في الهواء، وقَسَمَ عم عبده الذي أخذ يطلقه في الهواء محاولا إقناعهم بأن تلك الورقة قد اندست بالخطأ بين الأوراق، لأنهم وجدوا فيها -كما فهمتُ بعد ذلك- ما لا يجب أن توضع فيه الأرغفة أو أن يؤكل عليه. افتقدتُ عم عبده، لكنني كنت منحازًا إلى عدم تغليف الطعام بأوراق الكتب، وظللت متمسكًا بذلك الرأي حتى تسلّل طفلُ صديقٍ لي إلى مكتبتي ذات يوم 
وحاول لاهيًا أن يقضم كتابًا.
نوفمبر 2017

(نُشرت ضمن مجموعة قصصية باسم "معضلة السيّدة غ" بدار اكتب للنشر والتوزيع)



شاي العشاء - قصة قصيرة

شاي العشاء Credits: Sarah Hussein - Expressionism Art on Paper, the farmer استمرّت عصاه فى تشتيت الرمال عندما داخلته اختلاجة ...